مدربين بلا تاريخ صنعوا أمجاداً كروية؛ هكذا يمكن تلخيص مسيرة العديد من عمالقة التدريب في عالم كرة القدم. يستمر مسلسل التصريحات المثيرة للجدل مع جوزيه مورينيو، حيث أعرب عن دهشته من منح الفرص لمدربين بدون تاريخ لقيادة أكبر الفرق.
هذه التصريحات تأتي بالتزامن مع توجه العديد من الأندية الأوروبية الكبرى لتعيين مدربين “بلا خبرة كبيرة” على رأس القيادة الفنية. من الأمثلة البارزة ريال مدريد الذي عين ألفارو أربيلوا، ومانشستر يونايتد وتشيلسي مع أسماء مثل مايكل كاريك وليام روزينيور.
إلا أن مورينيو قد تناسى أن تاريخ الساحرة المستديرة مليء بالأسماء التدريبية التي حققت أمجادًا عظيمة. هؤلاء المدربون لم يمتلكوا خبرة احترافية كبيرة قبل توليهم مهام ضخمة.
حتى مورينيو نفسه، الذي أصبح فيما بعد من أفضل المدربين ويُلقب بـ”السبيشال وان”، بدأ مسيرته كمترجم. عمل مع بوبي روبسون في سبورتنج لشبونة وبورتو ثم برشلونة الإسباني، قبل أن يثبت نفسه بقوة.
لقد حوّل المدير الفني البرتغالي فلسفة “الميكرو سايكلو” إلى أسلوب تدريبي أوصله للعالمية، جامعًا بين التمارين البدنية والجمل الفنية. هذا يوضح كيف أن الأندية قد تخاطر بتعيين مدربين مغمورين بسبب امتلاكهم فلسفة تدريبية فريدة تتناسب مع الكيان.
في السطور التالية، نستعرض أبرز الأمثلة لمدربين “بلا تاريخ” تولوا القيادة الفنية لعمالقة أوروبا، ليصبحوا أسماء تاريخية في عالم الساحرة المستديرة.
بيب جوارديولا: الفيلسوف الذي غيّر مفهوم كرة القدم
في صيف عام 2008، كان جوان لابورتا، رئيس نادي برشلونة، يبحث عن مدرب جديد للفريق الأول. رغم ميله للتعاقد مع جوزيه مورينيو، نصحه الأسطورة يوهان كرويف باسم مفاجئ هو بيب جوارديولا.
جوارديولا كان قد بدأ عالم التدريب قبلها بعام واحد فقط، حيث عُين مديرًا فنيًا للفريق الرديف في برشلونة بالدرجة الرابعة. نفذ لابورتا نصيحة كرويف، ليكتب جوارديولا التاريخ بتحقيق السداسية الخالدة في موسمه الأول 2008-2009.
أصبح هذا المدير الفني الإسباني “فيلسوف” كرة القدم الحديثة، بأسلوبه المُبتكر الذي عُرِف باسم “التيكي تاكا”. إنه مثال حي على قدرة مدربين بلا تاريخ على إحداث ثورة كروية.
أريجو ساكي: “بائع الأحذية” وثورة الضغط العالي
أريجو ساكي، هذا الاسم الأسطوري، قاد ثورة حقيقية في كرة القدم الإيطالية. لقد حوّل أسلوب اللعب المتعارف عليه من “الدفاع المتأخر” إلى “الضغط العالي” غير المألوف حينها.
جاءت هذه الثورة رغم أن ساكي لم يكن لاعبًا مشهورًا، بل مثّل أندية هواة وعمل في متجر للأحذية. بدأ مسيرته التدريبية مع الأندية المغمورة والفئات السنية، قبل أن يصل إلى بارما عام 1985.
المصادفة التاريخية جمعت بارما بقيادة ساكي مع ميلان في كأس إيطاليا، وهناك أُعجب رئيس “الروسونيري” سيلفيو برلسكوني بأسلوبه، ليتعاقد معه عام 1987. أحدث ساكي ثورته التدريبية، متوجًا بلقب الدوري المحلي في أول مواسمه، ثم سيطر على دوري أبطال أوروبا عامين متتاليين.
كيني دالجليش: “الملك” الذي أعاد إحياء ليفربول
بعد كارثة هيسل عام 1985، التي أدت إلى اعتزال مدرب ليفربول جو فاجان، أسندت إدارة النادي مسؤولية القيادة الفنية إلى كيني دالجليش. أصبح دالجليش “لاعبًا ومدربًا” في آن واحد، وكانت مهمته إعادة بناء معنويات اللاعبين والفريق.
نجح دالجليش بشكل مبهر، حيث جمع ثنائية الدوري الإنجليزي وكأس الاتحاد الإنجليزي في موسمه الأول فقط. الأدهى أنه هو من سجل هدف حسم لقب الدوري في مباراة تشيلسي.
لم يكتفِ “الملك” بذلك، بل سيطر محليًا بالتتويج بلقب الدوري 3 مرات، وصنع واحدًا من أمتع الأجيال في تاريخ العملاق الإنجليزي. إنه نموذج بارز لمدربين بلا تاريخ إداري مسبق حققوا نجاحات فورية.
زين الدين زيدان: مجد “الثلاثية الأوروبية” التاريخية
الأسطورة الفرنسية زين الدين زيدان، أحد أعظم اللاعبين، واصل صناعة مجده عندما دخل عالم التدريب. قرر ريال مدريد تعيين زيدان مديرًا فنيًا للفريق الأول عام 2016، بعد أن كان تاريخه التدريبي منحصرًا على الفئات السنية والعمل مساعدًا لكارلو أنشيلوتي.
استفاد زيدان من عمله مساعدًا، ولكنه أضاف أسلوبه الخاص عندما أصبح “الرجل الأول”. كمدير فني لريال مدريد، حقق إنجازًا غير مسبوق بقيادة الفريق للتتويج بلقب دوري أبطال أوروبا 3 مرات متتالية.
توج العملاق الإسباني بـ11 لقبًا إجماليًا مع زيدان، منها ثنائية في الدوري وثلاثية الأبطال التاريخية. يبقى السؤال عن تجارب زيدان المستقبلية بعد رحيله عن ريال مدريد في ولايته الثانية عام 2021.
هانزي فليك: إحياء “الوحش الكتالوني النائم”
مثل زين الدين زيدان، عُرِف المدير الفني الألماني هانزي فليك كـ”رجل ثانٍ” لسنوات عديدة، أبرزها مع يواخيم لوف في منتخب ألمانيا. وجد نفسه يتولى القيادة الفنية لبايرن ميونخ في نوفمبر 2019، بينما كان النادي يعاني من أزمة نتائج.
صنع فليك فريقًا لا يرحم، حقق به السداسية التاريخية (الدوري، الكأس، السوبر الألماني، دوري الأبطال، السوبر الأوروبي، كأس العالم للأندية) 2019-2020. رغم عدم نجاحه كـ”رجل أول” للمنتخب الوطني بعد البافاري، إلا أنه أعاد اكتشاف نفسه بقوة مع برشلونة.
تولى فليك تدريب برشلونة صيف 2024 في واحدة من أسوأ فترات النادي فنيًا واقتصاديًا، لكنه أعاد إحياء الفريق مقدمًا كرة ممتعة عُرفت باسم “فليكي فلاكا”. خلال عام ونصف فقط، حقق فليك 4 ألقاب مع برشلونة، ووصل إلى نصف نهائي دوري أبطال أوروبا.
نماذج أخرى ملهمة من مدربين بلا تاريخ
لا يقتصر الأمر على الأسماء الكبيرة المذكورة؛ فهناك نماذج أخرى مهمة لمدربين بدأوا مسيرتهم بنجاحات مع فرق مغمورة قبل أن يشقوا طريقهم إلى العالمية. أبرزهم الألماني يوليان ناجلسمان، الملقب بـ”المدرب الطفل”، الذي اضطر لاعتزال كرة القدم مبكرًا بسبب الإصابة.
بدأ ناجلسمان التدريب فور اعتزاله، وكانت بدايته الحقيقية مع هوفنهايم الألماني، حيث أنقذه من الهبوط وأهله لدوري الأبطال. قاد بعد ذلك لايبزيج وبايرن ميونخ ومنتخب ألمانيا.
كما يُعد الإسباني لويس إنريكي مثالاً آخر، حيث تدرج بين سيلتا فيجو وروما بدون نجاحات كبيرة، حتى وصل إلى برشلونة، الذي كان انطلاقته الحقيقية. حقق إنريكي إنجازات خالدة مع برشلونة، منها لقب دوري أبطال أوروبا 2015، ويصنع الآن مجده مع باريس سان جيرمان.
توجد الكثير من الأسماء الأخرى، لكننا اخترنا هذه النماذج التي تُعد من بين الأفضل في عالم التدريب، رغم أنها بدأت مع الأندية الكبيرة بدون تاريخ يُذكر.