حكام الليجا: من الملاعب الترابية للبرنابيو.. رحلة الشفافية المفقودة
رحلة حكام الليجا من الملاعب الترابية إلى قمة الاحتراف مليئة بالتحديات، حيث تبدأ المسيرة من قرى صغيرة وتنتهي في أكبر ملاعب إسبانيا. هذه الرحلة الطويلة تتخللها منظومة معقدة للترقيات والهبوط، تثير تساؤلات حول الشفافية والعدالة.
البداية من الملاعب الترابية
يبدأ حكام كرة القدم الإسبانية رحلتهم في ملاعب الهواة المتواضعة، بعيدًا عن الأضواء والشهرة. يتطلب الالتحاق بالتحكيم اجتياز اختبارات بدنية ونظرية صارمة، حيث يخفق حوالي 70% من المتقدمين.
الاختبارات البدنية تشمل الركض لمسافات محددة في أزمنة معينة، بالإضافة إلى القفز العمودي والأفقي. أما الجانب النظري، فيتطلب إتقان 17 قانونًا أساسيًا للعبة، وتحديثاتها السنوية، مع اجتياز 5 مباريات تجريبية تحت المراقبة.
بعد اجتياز هذه المراحل، يبدأ الحكم مسيرته المهنية براتب يبدأ من 50 إلى 150 يورو للمباراة الواحدة. تتراوح مدة الانتقال للمستوى التالي بين 2 إلى 4 سنوات، مع معدل ترقية لا يتجاوز 30%.
الدرجة الثالثة: بداية الاحتراف الجزئي
بعد تقديم 50 إلى 100 مباراة إقليمية، وحصد تقييمات إيجابية، يمكن للحكم الترقية إلى الدرجة الثالثة الوطنية، ليبدأ مرحلة الاحتراف الجزئي. يرتفع الراتب إلى ما بين 200 و 400 يورو للمباراة، مما يصل بإجمالي الدخل السنوي إلى 10-20 ألف يورو.
تزداد المتطلبات هنا، بفرض تدريب أسبوعي إلزامي، واختبارات لياقة كل 6 أشهر، والحصول على شهادة UEFA الأساسية. يتم تقييم الحكم بناءً على 15 معيارًا، مثل التمركز وإدارة الوقت والتعامل مع تقنية VAR.
في هذه المرحلة، يتوقف حوالي 70% من الحكام عن الاستمرار، بسبب آليات التقييم غير الشفافة التي لا تمنح الحكام فهماً كاملاً لدرجاتهم.
الدرجة الثانية: احتراف كامل وبداية الشكوك
بعد خوض 20-30 مباراة في الدرجة الثالثة والحصول على شهادة UEFA متقدمة، يرتقي الحكم إلى الدرجة الثانية، حيث يتحول الاحتراف إلى كامل. يصل الراتب الأساسي إلى 120-140 ألف يورو سنويًا، مع مكافآت لكل مباراة.
يبلغ إجمالي دخل الحكم في موسمه الأول بالدرجة الثانية حوالي 188-242 ألف يورو. لكن التقييمات السرية، التي تشمل 15 معيارًا سريًا لا تُعلن تفاصيلها، تفتح باب الشبهات حول عملية التصعيد إلى الليجا.
الحصول على متوسط درجات أقل من 7 من 10 قد يعرض الحكم لعقوبات، تصل إلى الهبوط لدرجات أدنى.
الليجا: قمة الهرم المالي والشهرة
الوصول إلى دوري الدرجة الأولى (الليجا) يمثل قمة الطموح، حيث يقتصر الاختيار على 10-15 حكمًا سنويًا. يتقاضى كل منهم راتبًا أساسيًا يبلغ 167 ألف يورو، بالإضافة إلى مكافآت عن كل مباراة.
يصل إجمالي مكاسب حكم الليجا إلى ما بين 264-300 ألف يورو سنويًا، وهو الأعلى بين دوريات أوروبا الكبرى. يتمتع هؤلاء الحكام بامتيازات عديدة، تشمل سيارات فاخرة، وإقامة فندقية، وتأمينًا صحيًا شاملاً، وحقوق صور، ومكافآت خاصة للمباريات الهامة.
تُضاف إلى ذلك، الشارات الدولية التي ترفع دخل الحكام من المباريات الدولية.
الإدارة والتقييم: دائرة الغموض
تدير اللجنة الفنية للحكام في الاتحاد الإسباني، جميع جوانب التحكيم، من تعيين الحكام إلى اقتراح الأسماء للفيفا. تم تحديث هيكل اللجنة مؤخرًا، مع تعيين رئيس جديد وفريق عمل متخصص.
تشرف اللجنة على تقييم الحكام بناءً على 15 معيارًا، مثل التمركز، اللياقة، والقرارات التحكيمية. تكمن الإشكالية في أن الدرجات تُعلن في نهاية الموسم لتحديد الترقيات والهبوط، دون شرح تفصيلي، مما يمثل غيابًا للشفافية.
‘أجواء ملوثة’ وعلاقة الأندية بالتحكيم
وصف محللون رياضيون الأجواء المحيطة بالحكام الإسبان بأنها ‘ملوثة جدًا’، مشيرين إلى أن الثقة في التحكيم وصلت لمستويات متدنية. قضية نيجريرا، المتعلقة بمدفوعات برشلونة لنائب رئيس لجنة الحكام السابق، أثارت شكوكًا حول نزاهة المنظومة.
أشارت بعض المصادر الإعلامية إلى أن قنوات الأندية تبث مقاطع فيديو تنتقد قرارات تحكيمية، مما يغذي شعور الجمهور بالظلم، ويتجاهل الأخطاء التي استفاد منها فريقهم.
13 مراقبًا مجهولًا.. لغز إضافي
يكشف تقرير إذاعي عن وجود 13 مراقبًا للحكام، يقدمون تقييماتهم عبر التلفزيون، دون الكشف عن هويتهم أو خبراتهم. يعتبر النقاد أن المشكلة ليست في وجود التقييم، بل في عدم معرفة هوية المقيمين ومدى كفاءتهم.
هذا الغموض يتناقض مع مبادئ الشفافية التي تدعيها لجنة الحكام.
مقارنة مع البريميرليج: الشفافية المطلوبة
على عكس ما يعلنه الاتحاد الإسباني، تظهر مقارنة مع الدوري الإنجليزي فجوة كبيرة في المصداقية. في إسبانيا، تدير اللجنة الفنية كل شيء، من التعيين إلى التقييم.
في المقابل، يعتمد البريميرليج على مراقب مستقل لكل مباراة، مع توجه نحو بث حوارات تقنية الفيديو للجمهور. النقاش في إنجلترا يدور حول كيفية كشف ما يجري في غرفة الفيديو، بينما في إسبانيا، يدور حول معرفة هوية من يتخذ القرارات.
منظومة متناقضة
رحلة التحكيم الإسباني تظهر منظومة متناقضة؛ اختبارات قاسية في البداية، واحترافية عالية في القمة، لكن القرارات الهامة تُتخذ خلف أبواب مغلقة. رغم استخدام التكنولوجيا، تظل الثقة في أدنى مستوياتها بسبب الفضائح وضغوط الأندية.
مقارنة بدوريات أخرى تظهر أن الشفافية والمساءلة الحقيقية ما زالت بعيدة المنال، ليظل كل قرار تحكيمي تحت المجهر.




